أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

109

العقد الفريد

فجئت لانظر إليها ؛ وكان بيني وبينها رواق : فدعت بجفنة عظيمة من الثريد « 1 » مكللة باللحم ، فأتت على آخرها وألقت العظام نقية ، ثم دعت بشنّ عظيم مملوءة لبنا ، فشربته حتى أكفأته على وجهه ، وقالت : يا جارية ارفعي السجف « 2 » ، فإذا هي جالسة على جلد أسد ، وإذا شابة جميلة ؛ فقالت : يا عبد اللّه ، أنا أسدة ، من بني أسد ، وعليّ جلد أسد ، وهذا طعامي وشرابي ؛ فعلام ترى ؟ فإن أحببت أن تتقدم فتقدم ، وإن أحببت أن تتأخر فتأخر ! فقلت : أستخير اللّه في أمري وأنظر ! قال : فخرجت ولم أعد ! . جارية لأمية وراغب في زواجها قال : وحدثنا بعض أصحابنا ان جارية لأمية بن عبد اللّه بن خالد بن أسيد ذات ظرف وجمال ، مرت برجل من بني سعد ، وكان شجاعا فارسا ، فلما رآها قال : طوبى لمن كانت له امرأة مثلك ! ثم إنه أتبعها رسولا يسألها : ألها زوج ؟ ويذكره لها ؛ فقالت للرسول : ما حرفته ؟ فأبلغه الرسول قولها : فقال : ارجع إليها فقل لها : وسائلة ما حرفتي ؟ قلت : حرفتي * مقارعة الابطال في كلّ شارق إذا عرضت لي الخيل يوما رأيتني * أمام رعيل الخيل أحمي حقائقي وأصبر نفسي حين لا حرّ صابر * على ألم البيض الرّقاق البوارق فأنشدها الرسول ما قال ، فقالت له : ارجع اليه وقل له : أنت أسد فاطلب لنفسك لبوة ، فلست من نسائك ! وأنشدت هذه الأبيات : ألا إنما أبغي جوادا بماله * كريما محيّاه قليل الصدائق فتى همّه مذ كان خود كريمة * يعانقها بالليل فوق النمارق « 3 » ويشربها صرفا كميتا مدامة * نداماه فيها كلّ خرق موافق « 4 »

--> ( 1 ) الثريد : خبز فتّ وبلّ بالمرق . ( 2 ) السجف : أحد السترين المقرونين بينهما فرجة . ( 3 ) النمارق : جمع النمرق : الوسادة الصغيرة يتكأ عليها . ( 4 ) الخرق : الفتى الكريم الخليقة .